صديق الحسيني القنوجي البخاري
11
فتح البيان في مقاصد القرآن
علموا لها تغيظا ، وسمعوا لها زفيرا ، وقيل المعنى فيها تغيظا ، وزفيرا للمعذبين ، كما قال لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [ هود : 106 ] ، وفي واللام ، متقاربان بأن تقول هذا اللّه وفي اللّه وَإِذا أُلْقُوا مِنْها أي طرحوا مَكاناً ضَيِّقاً وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة ، وتناهي البلاد عليهم . وعن يحيى بن أسيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لما سئل عن هذه الآية قال : « والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار ، كما يستكره الوتد في الحائط » وعن ابن عباس « أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح » . مُقَرَّنِينَ أي حال كونهم قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد . وقيل : مكتفين . وقيل قرنوا مع الشياطين ، أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم دَعَوْا هُنالِكَ أي في ذلك المكان الضيق ثُبُوراً أي هلاكا ، كما قال الزجاج ، وقال ابن عباس : ثبورا ، أي ويلا . وقيل ثبرنا ثبورا وقيل مفعول له ، والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك ، وينادونه لما حل بهم من البلاء ، ويقولون يا ثبوراه . أي احضر ، فهذا أوانك ، لكنهم لا يهلكون . وأجيب عليهم بقوله : لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً والقائل لهم هم الملائكة خزنة جهنم ، أي اتركوا دعاء ثبورا واحدا وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً والثبور مصدر يقع على القليل والكثير ، فلهذا لم يجمع ، ومثله ضربته ضربا كثيرا ، وقعد قعودا طويلا ، فالكثرة ههنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به ، لا بحسب كثرته في نفسه ، فإنه شيء واحد ، والمعنى لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا ، وادعوه أدعية كثيرة . فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه . وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وهو خلاف ظاهر القرآن . وقيل إن المعنى أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع كثيرة ، كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد لقوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [ النساء : 56 ] أو لأنه ينقطع فهو في كل وقت ثبور ، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه . أخرج أحمد ، والبزار والبيهقي ، وغيرهم قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ، وذريته من بعده ، وهو ينادي يا ثبوراه ، ويقولون : يا ثبورهم . حتى يقف على الناس ، فيقول : يا ثبوراه ويقولون : يا ثبورهم ، فيقال لهم لا تدعوا